المامقاني

484

غاية الآمال ( ط . ق )

قيام القرينة ممّا يدفعه الأصل فالإنصاف ان أظهر محامل الاخبار بما هو بيان حكم ما لو لم يعلم المدفوع إليه غرض الدّافع وان السؤال والجواب كليهما ناظر ان إلى ذلك وان الإباحة شرعية وان لم يكن مصرحا بها من المالك مسئلة احتكار الطعام قوله وهو الأقوى بشرط عدم باذل الكفاية أراد ببذل الكفاية ما هو أعمّ ممّا كان بغير عوض أو بعوض واعلم انّ الذي يعطيه كلام العلامة الطباطبائي ( رحمه الله ) في المصابيح هو ان المتنازع فيه من حيث الحرمة والكراهة انّما هو صورة الاحتياج الغير البالغ حد الاضطرار وعدم البائع والباذل بحيث يستغنى بهما قال ( رحمه الله ) لا يجوز الاحتكار مع اضطرار الناس كما في المخمصة بالإجماع لأن فيه إعانة على إتلاف النفس المحترمة ويجوز مع السعة أو ومن جود يستغنى به من بائع أو باذل بالإجماع والنصوص منها الحسن فإن كان في المصر طعام أو متاع غيره فلا بأس بأن يلتمس بسلعته الفضل امّا مع الاحتياج الغير البالغ حدّ الاضطرار وعدم البائع والباذل بحيث يستغنى بهما فقيل بالكراهة للأصل وعموم الناس مسلَّطون على أموالهم وخصوص الحسن ان كان الطعام كثيرا يسع الناس فلا بأس وان كان قليلا لا يسع الناس فإنّه يكره ان يحتكر الطعام ويترك الناس ليس لهم طعام وقيل بالتحريم للنصوص هذا ما أهمنا من كلامه ( رحمه الله ) وعلى هذا ففي المسئلة قولان أحدهما الحرمة والأخر الكراهة فليس ما قواه ( المصنف ) ( رحمه الله ) قولا بالتفصيل في المسئلة كما يوهمه عبارته حيث ذكر القول بالتحريم في مقام نقله عاريا عن شرط عدم باذل الكفاية وقيده به في مقام تقويته ثم إن ( المصنف ) ( رحمه الله ) لم يفصل المقال في مستند القول بالكراهة وقد أشبع الكلام فيه صاحب الجواهر ( رحمه الله ) لكون ذلك القول مختاره قال في ذيل قول المحقق ( رحمه الله ) الاحتكار مكروه وقيل حرام والأول أشبه بأصول المذهب وقواعده التي منها الأصول وقاعدة تسلَّط الناس على أموالهم المعتضدة بنصوص الاتجار وحسن التعيّش والحزم والتدبير وغير ذلك السّالمة عن معارضة دليل معتبر على التحريم لقصور نصوص المقام سند أو دلالة عن ذلك إذ هي خبر السكوني عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لا يحتكر الطعام إلا خاطئ وخبره عن أبي عبد اللَّه الحكرة في الخصب أربعون يوما وفي البلاء والشدّة ثلاثة أيّام فما زاد على الأربعين يوما في الخصب فصاحبه ملعون وما زاد في العسرة على ثلاثة أيّام فصاحبه ملعون وخبر حذيفة بن منصور عن أبي عبد اللَّه ( عليه السلام ) نقد الطعام على عهد رسول اللَّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فأتاه المسلمون فقالوا يا رسول اللَّه قد نفد الطعام ولم يبق منه الا شيء عند فلان فمره يبيعه الناس قال فحمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال يا فلان ان المسلمين ذكروا ان الطعام قد نفد إلا شيئا عندك فأخرجه فبعه كيف شئت ولا تحبسه وخبر القداح عنه ( عليه السلام ) ( أيضا ) عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الجالب مرزوق والمحتكر ملعون والمرسل نهى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) عن الحكرة في الأمصار وخبر حمزة عن علي ( عليه السلام ) انّ رسول اللَّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مرّ بالمحتكرين فأمر بحكرتهم ان تخرج إلى بطون الأسواق وحيث ينظر الناس إليها فقيل لرسول اللَّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لو قوّمت عليهم فغضب ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حتى عرف الغضب في وجهه وقال أنا أقوّم عليهم انّما السعر إلى اللَّه عزّ وجل يرفعه إذا شاء ويضعه إذا شاء وخبر أبي مريم عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال قال رسول اللَّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أيّما رجل اشترى طعاما فكبسه أربعين صباحا يريد به غلاء المسلمين ثم باعه فتصدّق بثمنه لم يكن كفارة لما صنع وخبر أبي البختري المروي عن قرب الإسناد عن جعفر بن محمّد ( عليه السلام ) عن أبيه ( عليه السلام ) ان عليا ( عليه السلام ) كان ينهى عن الحكرة في الأمصار وقال ليس الحكرة إلا في الحنطة والشعير والتمر والزبيب والسمن ثم ذكر ما حكاه ( رحمه الله ) عن نهج البلاغة ثم قال وفي المرسل المروي عن كتاب ورام عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عن جبرئيل ( عليه السلام ) اطلعت في النار فرأيت واديا في جهنم يغلى فقلت يا مالك لمن هذا فقال لثلاثة المحتكرين والمدمنين للخمر والقوادين ثم قال ( رحمه الله ) وهي أجمع كما ترى مع قصور أسانيدها كادت تكون صريحة في الكراهة ضرورة كون اللسان لسانها والتأدية تأديتها كما لا يخفى على من لاحظ ما ورد عنهم ( عليه السلام ) في المكروهات وترك بعض المندوبات كغسل الجمعة والجماعة والأكل وجده وتفريق الشعر ونحو ذلك ولذا صرّح بها في صحيح الحلبي وساقه على الوجه المذكور في المتن ثم قال بل ربما أشعر بذلك أيضا التقييد بالأمصار إذ لا مدخلية مع القول بالحرمة بين المصر وغيره وانّما يختلف بذلك شدّة وضعفا على الكراهة بل قوله لا يحتكر الطعام إلا خاطئ كذلك أيضا فإنه بناء على الحرمة يكون من بيان البديهيات لكن على الكراهة يكون المراد منه الشدة الَّتي هي بمنزلته وكذا خبر الكفارة والتفصيل بين الأربعين والثلاثة إلى غير ذلك من الأمارات في النصوص المزبورة بحيث يمكن دعوى حصول القطع للفقيه الممارس بذلك كما لا يخفى على من رزقه اللَّه ( تعالى ) فهم كلامهم ورمزهم ومن ذلك يعرف ما في الاستدلال للقول بالحرمة بالنصوص المزبورة مؤيّدا بالقبح العقلي المستفاد من ترتب الضّرر على المسلمين وكون منشئه الحرص المذموم عقلا ومنافاته للمروّة ورقة القلب المأمون بهما ( كذلك ) إذ قد عرفت مفاد النصوص كما أن من الواضح عدم استقلال العقل بإدراك قبح ذلك خصوصا وموضوع البحث حبس الطعام انتظار العلو السّعر على حسب غيره من أجناس التّجارة من حيث كونه ( كذلك ) لا مع قصد الإضرار بالمسلمين ولو بشراء جميع الطعام فيسعره عليهم بما يشاء أو لأجل صيرورة الغلاء بالناس بسبب ما يفعله أو لإطباق المعظم على الاحتكال على وجه يحصل الغلاء والإضرار على وجه ينافي سياسة الناس ولذا أمر أمير المؤمنين ( عليه السلام ) الأشتر بما سمعت أو لغير ذلك من المقاصد التي لا مدخليته لها فيها نحن فيه ممّا هو معلوم الحرمة لأمر أخر خارجي بل هو ( كذلك ) في كلّ حبس لكلّ ما تحتاجه النفوس المحترمة ويضطرون إليه ولا مندوحة لهم عنه من مأكول أو مشروب أو ملبوس أو غيرها من غير تقيد بزمان دون زمان ولا أعيان دون أعيان ولا انتقال بعقد ولا تحديد بحد بعد فرض حصول الاضطرار بل الظاهر تسعيره ( حينئذ ) بما يكون مقدورا للطالبين إذا تجاوز الحدّ في الثمن بل لا يبعد حرمة قصد الاضطرار بحصول الغلاء ولو مع عدم حاجة الناس ووفور الأشياء بل قد يقال بالتحريم بمجرد قصد الغلاء وحيه وان لم يقصد الإضرار ويمكن تنزيل القول بالتحريم على بعض ذلك كما عسا يومي إليه بعض كلماتهم فيرتفع الخلاف ( حينئذ ) في المسئلة وانّما الكلام في حبس الطعام انتظارا به علو السعر على حسب غيره من أجناس التجارة مع حاجة الناس وعدم وصولهم إلى حد الاضطرار فدعوى وصول العقل إلى القبح التحريمي في مثل ذلك واضحة المنع انتهى وفيه انّ ما ذكره من الاخبار وان كانت ضعيفة السّند الا انّ دلالة جملة منها ممّا لا اشكال فيه مثل ما عن نهج البلاغة حيث تضمن لفظ النّهى والمنع الظاهرين في الحرمة خصوصا بضميمة قوله ( عليه السلام ) فنكل به وعاقب أو لا تنكيل ولا عقاب من الحاكم على فعل المكروه وان دليل المسئلة غير منحصر فيما ذكره من الاخبار الا ترى ان ثلاثة ممّا ذكره ( المصنف ) ( رحمه الله ) من قبيل الصّحاح ودلالتها على الحرمة ظاهرة فإن الصّحيحة الثانية بمفهوم نفى البأس الواقع جزاء في الجملة الشرطية تدلّ على الحرمة وكذلك الأولى خصوصا بملاحظة ما حكى فيها من قول النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يا حكيم بن حزام إياك ان تحتكر وامّا ما ذكره من أن لسان ما ذكره ( صح ) من الاخبار لسان الكراهة والتأدية تأديتها ففيه ان لسان الكراهة في هذا المقام ليس إلا عبارة عن التحديد والتأكيد والوعيد بالنار كما أشار إلى ذلك بالإحالة على ملاحظة ما ورد عنهم ( عليه السلام )